السعيد شنوقة

220

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

فالمحكم من الآيات حسب ابن عباس التي يؤمن بها ويعمل بها ، وهي التي تحدد الحلال والحرام أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي . أما المتشابهات فهي الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها ، فهي لا صلة لها بالتشريع سواء نسخت عن حكمها ، وبقيت في المصحف للتلاوة أم كانت من غير آيات الإحكام أصلا . ونحن نفهم من قول ابن العباس في المتشابه « والمتشابهات : منسوخه ، ومقدمه ، ومؤخره وأمثاله وأقسامه ، وما يؤمن به ولا يعمل به » « 1 » أنه أدخل الأساليب كالتقديم والتأخير والأمثال والقسم ، وهي ظواهر أسلوبية عند أبي عبيدة ( ت 224 ه ) والفراء ( ت 207 ه ) ، والجاحظ ( 255 ه ) ، وابن قتيبة ( ت 276 ه ) مدرجة ضمن المجاز الذي هو وسيلة التأويل بعد ذلك عند القاضي عبد الجبار ( ت 415 ه ) . ويوافق مجاهد بن جبر ( ت 104 ه ) أستاذه ابن عباس في معنى المحكم الذي فيه الحلال والحرام ، وأما غير ذلك فمتشابه لكنه يخالفه في تعريف المتشابه الذي

--> - جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] إلى قوله جل وعلا إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ الآية . وإلى قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ واختار بعض العلماء أن المحكم اسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان ، ولا شك في ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد لوضوح مفرداته وإتقان تركيبه ، ومتى اختل أحد الآمرين جاء التشابه . انظر تفسير القرطبي ، ج 4 ، ص 11 . وكذا ابن منظور ( ت 711 ه ) ، لسان العرب ، ج 13 ، ص 504 ، والسيوطي ، الدار المنثور ، دار الفكر ، بيروت ، 1993 م ، ج 2 ، ص 144 وما بعدها . وقد حكى بن حبيب النيسابوري أن في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] . ثلاثة أقوال : الأول : أن القرآن كله محكم لقوله عز وجل : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [ هود : 1 ] . الثاني : كله متشابه لقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ الزمر : 23 ] . الثالث : هو الصحيح انقسامه إلي محكم ومتشابه للآية المصدر بها . والجواب عن الآيتين أن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص ، والاختلاف إليه ، وبتشابهه كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز . وقال بعضهم : إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه وقد قال الله سبحانه : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . والمحكم لا تتوقف معرفته على البيان كما لا يرجى المتشابه بيانه . واختلف في تعيين المحكم والمتشابه ؛ فقيل في المحكم : ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل . والمتشابه : ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور . وقيل المحكم : ما وضح معناه والمتشابه نقيضه . وقيل : المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها : محمد بن محمد بن محمد الغزي ( ت 1061 ه ) ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ، تحقيق خليل محمد العربي ، الفاروق الحديثة ، القاهرة ، 1415 ه ، ط 1 ، ج 2 ، ص 5 - 6 . ( 1 ) السيوطي ، الدر المنثور ، ج 2 ، ص 144 .